أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
285
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
للإصلاح ، وهذا كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ « 1 » والمعنى لا يوفّقهم لعمل أهل الخير . قوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ « 2 » أشار به إلى من هداه اللّه بالتّوفيق المذكور في قوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً « 3 » قال بعضهم : الهداية والهدى في موضوع اللغة واحد ، ولكن خصّ اللّه تعالى لفظ الهدى بما تولّاه وأعطاه . واختصّ به هو دون ما هو إلى الإنسان ، نحو : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ « 4 » . والاهتداء : يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار ؛ إمّا في الأمور الدّنيوية أو الأخروية كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ « 5 » ، فهذا يجوز أن يكون للهدايتين ، لأنّهم يهتدون بها في أسفارهم وإلى الجهة التي يتعبّدون إليها للّه تعالى . ويقال أيضا : اهتدى إذا طلب الهداية . ومنه : قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ « 6 » . وإذا تحرّاها أيضا . ومنه : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ « 7 » أي تتحرّون هدايتكم فيهما . والاهتداء أيضا : الاقتداء بالعلماء . ومنه قوله تعالى : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ « 8 » منبهة على أنّهم لا يعلمون بأنفسهم ، ولا يقتدون بمن يعلم . وقوله : فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ « 9 » . هذا يتناول وجوه الاهتداء المتقدّمة بأسرها من طلب الهداية وتحرّيها والاقتداء بالعلماء . وقيل في قوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ / وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى « 10 »
--> ( 1 ) 81 / يونس : 10 . ( 2 ) 143 / البقرة : 2 . ( 3 ) 17 / محمد : 47 . ( 4 ) 2 / البقرة : 2 . ( 5 ) 97 / الأنعام : 6 . ( 6 ) 56 / الأنعام : 6 . ( 7 ) 53 / البقرة : 2 . ( 8 ) 104 / المائدة : 5 . ( 9 ) 41 / الزمر : 39 . ( 10 ) 82 / طه : 20 .